الحدث

سلسلة حقائق من إعداد الأستاذ عبد العزيز بوباكير: “حكاية عبد القادر المالي” الحلقة-6

في نهاية حكم بومدين انفرط عقد عصبة أو عصابة وجدة ولم يبق من خرزاته إلا بومدين نفسه وعبد العزيز بوتفليقة بحنينه المتقلب إلى مسقط رأسه وجدة. وكان الحيوان السياسي الداهية الشريف بلقاسم يقول عن مجلس الثورة :” إنه يشبه رقم ثمانية ، صفر فوق صفر”.

والشريف بلقاسم، المعروف بسي جمال، لا ينطق عن الهوى، فهو “حيوان سياسي” يعرف ماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يقول. وهو ابن النظام المدلّل حتى بعد أن أبعدته ملابسات غريبة عن الحكم في سنة 1972، وقلّما نجد في أوساط السياسيين رجلا مثله، خبر السياسة ظاهرها وباطنها، وعرف السياسيين في أوج تألقهم وذروة مجدهم وفي متاهات انحدارهم وصقيع عزلتهم، وهو حين يقول رأيه في السياسة والسياسيين، إنما يفعل ذلك من منطلق أن فن البوليتيك هو خدمة الحال في كل الأحوال، كما قال لويس الرابع عشر.

“سي جمال ” كان أحد أبرز وجوه نواة وجدة الصلبة، التي أوصلت أحمد بن بلة إلى سدّة الحكم، ثم انقلبت عليه بسبب استفراده بالحكم، ولعب دورا حاسما في انقلاب 19 جوان 1965، وأصبح منظر الانقلابيين، وضامن انسجام عقدهم المعنوي، ومفسر خططهم، وشارح برامجهم. كما كان المحور الرئيسي في لعبة التوازنات، يضبط الخلافات، ويذلل التناقضات، ويزيل العوائق بين الانقلابيين غير المتجانسين . وظل طيلة سبع سنوات رجل ظل يعمل في الخفاء، بعيدا عن الأضواء والنجومية، إلى أن عصفت به فضائح “ليالي الجزائر الجنونية”، التي اعتبرها البعض مؤامرة مدبرة ضده لتحييده وتعكير صفو العلاقة بينه وبين الرئيس هواري بومدين.
بعد إبعاده أو استبعاده عن مجلس الثورة، استقر الشريف بلقاسم في الخارج، بعيدا عن الصراعات السياسية وحروب المواقع ودسائس السرايا، إلى أن أعادته أحداث أكتوبر الأليمة إلى واجهة الأحداث، حين تزعم مبادرة 18 شخصية وطنية بارزة وقّعت على بيان يطالب برحيل الشاذلي بن جديد، واستغلال الطاقة التحفيزية التي خلقتها ديناميكية أكتوبر لإصلاح بنية النظام وإشاعة قيّم الديمقراطية والانفتاح وحرية التعبير. ومن غريب الصدف أن يكون عبد العزيز بوتفليقة من الموقّعين على هذا البيان إلى جانب الشريف بلقاسم.
بعد رحيل الشاذلي بن جديد تكوّنت عند الرأي العام صورة عن سي جمال، صورة رجل دولة متزن وسياسي بعيد البصيرة، يعمل بهدوء ورصانة، بعيدا عن الحسابات الأنانية والأهواء الذاتية والأطماع الدنيئة، سياسي فوق كل الشبهات، يعرض خدماته مجانا للمصلحة العليا للدولة، ويُسدي النصح للفاعلين الحقيقيين في السر والعلن. وقد ارتبطت هذه الصورة، حقيقة، بحس براغماتي قويّ وحصافة سياسية نادرة جعلت الدوائر الحاكمة تلجأ إلى خدماته، وتطلب نصائحه كلّما دخلت البلاد في مأزق وانسدت أمامها المنافذ والأبواب.
حدث ذلك بعد أحداث أكتوبر 1988، وحدث ذلك سنة 1994 حين لجأ اليمين زروال إليه لإقناع عبد العزيز بوتفليقة باستلام كرسي الرئاسة. والغريب في الأمر أن سي جمال، الذي حاول مرتين إقناع عبد العزيز بوتفليقة بقبول شروط الجيش لاعتلاء سدّة الحكم، هو نفسه الذي ترشح ضده رمزيا سنة 1999 لسد الطريق عليه إلى المرادية، متهما إياه بأنه خطر على البلاد ومؤسساتها الدستورية.. فما هو سبب هذا التقلب المفاجئ ؟
الحقيقة أن الرجلين يعرفان بعضهما البعض منذ أن كانا في وجدة، ومنذ أن جمع بينهما بومدين، ومنذ أن توليا مسؤوليات هامة في حكومة بن بلة، ثم شاركا بعد ذلك في انقلاب العقيد بومدين.
كان بوتفليقة يجلس إلى يمين بومدين والشريف بلقاسم إلى يساره، وكانت العلاقة بين الرجلين غامضة متقلبة متناقضة يشوبها الكثير من الحسد والغيرة وسوء الفهم وتضارب المصالح والرفض المتبادل، ولم يكن أساس الخلاف حول تصوّر نظام الحكم وطبيعة النظام وأهدافه البعيدة.
وقد خلقت هذه العلاقة المتوترة حالة شاذة ، بحيث أصبح كل واحد منهما ينظر إلى الأخر على أساس أنه شخصه بالذات ALTER EGO لكن بدون ثقة ولا ائتمان، وتحوّلا بعد مسيرة 40 سنة إلى “إخوة أعداء”.
ظل سي جمال مصرا على أن بوتفليقة قليل الدراية بالسياسة وليس من محترفيها، ولا يمارسها إلا حين يشعر بالتهديد، وأنه يعشق الأضواء ويهوى الكلمة، وانه شخص متناقض، وهو لا يعترف بالخطأ ويحمل أخطاءه للآخرين، وأنه يقود البلاد إلى الهاوية، وأنه آن الأوان ليدخل إلى بيته، كما هدّد مرارا وتكرارا… لكن بيته أين؟ هنا في الجزائر أم في وجدة؟
يُتبع…

يمكنكم متابعة الحلقات السابقة من هنا : الحلقة الاولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة  الحلقة العاشرة الحلقة الحادية عشر
الصورة: بومدين الشريف بلقاسم بوتفليقة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫10 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق